الشيخ محمدجواد البلاغي النجفي
300
آلاء الرحمن في تفسير القرآن
قيل إن المراد من الأميين نوع العرب باعتبار ان الغالب منهم لا يقرؤن ولا يكتبون . ويحتمل ان يراد منهم من عدى بني إسرائيل فإنهم ينسبونهم إلى الأمة والأمم . ويحتمل ان يريدوا اتباع رسول اللَّه الأمي . ولعلهم يغالطون لنفي السبيل بما في توراتهم من أنها نهتهم عن الانتقام والحقد على أبناء شعبهم . وعن السعي والوشاية بين أبناء شعبهم . وعن شهادة الزور على قريبهم . فيزعمون من ذلك ان غير الإسرائيلي مهدور الحرمة في الأحكام الاجتماعية العقلية ومن ذلك أداء الأمانة * ( ويَقُولُونَ ) * في نفي السبيل وخيانة الأمانة * ( عَلَى اللَّه الْكَذِبَ وهُمْ يَعْلَمُونَ ) * انه كذب منهم . فإنهم مع حكم العقل يقرؤن مما بقي في شريعة الحق في توراتهم ان الأمانة يجب ردها مطلقا . وان جحد الأمانة والوديعة خطيئة وذنب . وانهم منهيون عن السرقة والكذب والغدر من دون حصر لهذه الأحكام بالإسرائيلي . كما في الفصل السادس والتاسع عشر من سفر اللاويين [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 76 إلى 77 ] بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِه واتَّقى فَإِنَّ اللَّه يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ( 76 ) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّه وأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّه ولا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 77 ) 72 * ( بَلى ) * عليهم في الأميين سبيل وهم مسؤولون عن الأمانة والوفاء بعهدها . وما أحسن الوفاء بالعهد * ( مَنْ أَوْفى بِعَهْدِه ) * في كتب اللغة أوفى بمعنى وفى . أقول والمستعمل في القرآن الكريم هو أوفى . وأوفى . وأوف . وأوفوا والموفون ، وكلها من أوفى والظاهر أن الضمير في عهده يعود إلى الموصول « من » وقيل يرجع إلى لفظ الجلالة من قوله تعالى * ( ويَقُولُونَ عَلَى اللَّه الْكَذِبَ ) * . وهو بعيد مع أن قبول الأمانة لا يتضمن عهدا مع اللَّه وإنما يتضمن عهدا مع صاحبها . وان نفس الوفاء بالعهد محبوب للَّه ولكن ما كل من أوفى بعهده محبوب للَّه ، بل من أوفى * ( واتَّقى ) * اللَّه أي اتقى غضبه وعقابه بالأعمال الصالحة وطاعته في أوامره ونواهيه وكانت له التقوى ملكة ومذهبا * ( فَإِنَّ اللَّه يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) * الذين ديدنهم المحاذرة من أن يعرض اللَّه بوجهه الكريم عنهم والعياذ باللَّه 73 * ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّه ) * أي بعهدهم مع اللَّه * ( وأَيْمانِهِمْ ثَمَناً ) * يتعلق الاشتراء بالثمن كما يتعلق بالمبيع . والثمن في الحقيقة أحد المبيعين والعوضين * ( قَلِيلًا ) * مهما كان مما تحملهم أهواؤهم لأجله على الحنث ونقض العهد * ( أُولئِكَ لا خَلاقَ ) * أي لا نصيب ولاحظ * ( لَهُمْ فِي الآخِرَةِ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّه ) * لعله كناية عن مقته لهم